محمد طاهر الكردي
426
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
فكانت تولية هذه الوظائف إنما تكون للخلفاء أو من يجعلون ذلك له ، من وزير مفوّض أو سلطان متغلّب ، وكان أيضا النظر في الجرائم وإقامة الحدود ، في الدولة العباسية والأموية بالأندلس ، والعبيدين بمصر والمغرب راجعا إلى صاحب الشرطة وهي وظيفة أخرى دينية كانت من الوظائف الشرعية في تلك الدول توسع النظر فيها عن أحكام القضاء قليلا ، فيجعل التهمة في الحكم مجالا ، ويفرد العقوبات الزاجرة قبل ثبوت الجرائم ، ويقيم الحدود الثابتة في محالها ، ويحكم في القود والقصاص ، ويقيم التعزير والتأديب في حق من لم ينته من الجريمة ، ثم تنوسي شأن هاتين الوظيفتين في الدول ، التي تنوسي فيها أمر الخلافة ، فصار أمر المظالم راجعا إلى السلطان ، كان له تفويض من الخليفة أو لم يكن ، وانقسمت وظيفة الشرطة قسمين منها : وظيفة التهمة على الجرائم وإقامة حدودها ، ومباشرة القطع والقصاص حيث يتعين ، ونصب لذلك في هذه الدول حاكم يحكم فيها بموجب السياسة دون مراجعة الأحكام الشرعية ، ويسمى تارة باسم الوالي وتارة باسم الشرطة ، وبقي قسم التعازير وإقامة الحدود في الجرائم الثابتة شرعا ، فجمع ذلك للقاضي مع ما تقدم ، وصار ذلك من توابع وظيفته وولايته ، واستقر الأمر لهذا العهد على ذلك ، وخرجت هذه الوظيفة عن أهل عصبية الدولة ، لأن الأمر لما كان خلافة دينية ، وهذه الخطة من مراسم الدين فكانوا لا يولون فيها إلا من أهل عصبتهم من العرب ومواليهم بالحلف أو بالرق أو بالاصطناع ممن يوثق بكفايته أو غنائه فيما يدفع إليه . ولقد كتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لأبي موسى الأشعري الذي ولاه القضاء بالكوفة كتابا قيما تدور عليه أحكام القضاة ، وفيه يقول : أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة ، فافهم إذا أدى إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له ، وآس بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك ، حتى لا يطمع شريف في حيفك ، ولا يبأس ضعيف من عدلك . البينة على من ادعى واليمين على من أنكر والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا ، ولا يمنعك قضاء قضيته أمس فراجعت اليوم فيه عقلك ، وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق ، فإن الحق قديم ، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل ، الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة ، ثم اعرف